ابن بطوطة
153
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
العلي أيده اللّه بمحلّ القبول ، وأبلغ من الإغضاء عن تقصير المأمول ، فعوائدهم في السماح جميلة ، ومكارمهم بالصفح عن الهفوات كفيلة ، واللّه تعالى يديم لهم عادة النصر والتمكين ويعرفهم عوارف التأييد والفتح المبين بمنه وحوله . ( قال ابن بطوطة ) قال الشيخ أبو عبد اللّه : كان خروجي « 9 » من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر اللّه رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدا حج بيت الحرام ، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام منفردا عن رفيق انس بصحبته ، وركب أكون في جملته « 10 » ، لباعث من النفس شديد العزائم ، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازيم ، فجزمت أمري ولم ابن علي السكون ، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكون « 11 » ، وكان والديّ بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصبا ، ولقيت كما لقيا نصبا ، وسنّى يومئذ اثنتان وعشرون سنة . قال ابن جزي أخبرني أبو عبد اللّه بمدينة غرناطة أن مولده بطنجة في يوم الاثنين السابع عشر من رجب الفرد سنة ثلاث وسبعمائة « 12 » . رجع ، وكان ارتحالي في أيام أمير المؤمنين ، وناصر الدين ، المجاهد في سبيل رب العالمين الذي رويت أخبار جوده موصولة الأسناد بالإسناد ، وشهرت اثار كرمه شهرة واضحة الإشهاد وتحلّت الأيام ، بحلا فضله ، ورتع الأنام ، في ظل رفقه وعدله ، الإمام المقدس
--> ( 9 ) هنا بداية مذكرات ابن بطوطة بعد الانتهاء من مقدمة ابن جزي ، وهذا التاريخ القمري يوافق من التاريخ الشمسي 14 يونيه 1325 ، ويلاحظ من الآن أن ابن بطوطة لم يكن مهتما بتقديم معلومات عن المدن المغربية : طنجة تلمسان ، وإنما أخذ في ذلك عندما ابتعد عن البلاد وشعر بالحاجة إلى تقديم الفائدة الجديدة . . . ( 10 ) الإشارة إلى ركب الحاج المغربي الذي اعتادت الدولة المغربية أن تبعثه إلى الديار المقدسة في كل سنة حيث يرحل في شهور معينة في اتجاه مكة المكرمة ، فكان معظم الناس من مختلف الجهات المغربية ينتظر الانضمام إلى الركب ، لكن في الناس من كان يفضل أن يعتمد على وسائله الخاصة حتى لا يتقيّد بيومية معيّنة ، وفي هؤلاء الرحالة المغربي ابن بطوطة الذي نراه هنا يختار التوجه منفردا إلى تلك الديار . . . محمد المنوني : ركب الحاج المغربي ، معهد مولاي الحسن ، تطوان . مطبعة المخزن 1953 . ( 11 ) الوكون جمع وكن ( بالنون ) عش الطائر ، هذا وتحتوي نسحة باريز على جملة أخرى تقول : " فجزمت أمري عليهجر الإناث من الأحباب والذكور ، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور " . ( 12 ) كان هذا التاريخ يوافق 24 يبراير 1304 ، وحول هذا اللّقاء الذي تم في غرناطة بمناسبة زيارة ابن بطوطة لها بعد عودته للمغرب راجع . ( 371 'IV )